السيد محمد محسن الطهراني
137
أسرار الملكوت
إنّما أُمروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك ، لأنّ الله وضع الفرائض على أدنى القوّة ، كما قال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ 1 ] يعني شاة ، ليسع القويّ والضعيف ، وكذلك سائر الفرائض إنّما وُضعت على أدنى القوم قوةً ، فكان من تلك الفرائض الحجُّ المفروض واحداً ، ثمّ رغّب بعدُ أهل القوّة بقدر طاقتهم [ 2 ] . يستفاد من هذه الرواية الشريفة أنّ الأفراد المتمكّنين من بذل المال ، والذين لديهم صحة بدنية جيّدة والموانع مرفوعة أمامهم في الذهاب إلى الحجّ بشكل متكرّر وفي سنين متعددة ، فعليهم أن لا يحرموا أنفسهم من هذه النعمة العظيمة ويكتفوا بأداء المناسك مرة واحدة فقط ، بل عليهم أن يعلموا بأنّهم كلّما شدّوا رحالهم أكثر لهذا السفر الإلهي والروحاني ، كلّما ازداد نصيبهم من آثار الأعمال وبواطن الأفعال التي يقومون بها ، وسوف يتنعّمون أكثر من الفيوضات المترشّحة من مقام الولاية الكبرى التي تجري في هذه المراسم على زائري بيت الله الحرام ، وسوف يستفيضون أكثر من منبع العنايات الإلهيّة غير المتناهية والخاصّة بالطائفين حول حرمه الشريف والعاكفين عند بيته القدسي ؛ في المكان الذي كان أنبياء الله العظام وزعماء الدين الحنيف ، الأئمّة المعصومون عليهم السلام يأتون إليه كراراً ومراراً بشقّ الأنفس ، ويتحمّلون في سبيل ذلك التعب الشديد ويهيّئون أنفسهم للاستضافة من هذا الحفل الإلهي ( 3 ) سفر الإمام المجتبى عليه السلام إلى الحج خمساً وعشرين مرّة وكان أكثرها مشياً إلى أن وصل الأمر بالإمام الحسن
--> ( 3 ) فقد ورد في وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 128 ، كتاب الحج ، أبواب وجوبه وشرائطه ، باب 45 ، حديث 18 ، قال : وقال أبو جعفر عليه السلام : أتى آدم عليه السلام هذا البيت ألف آتية على قدميه ؛ منها سبعمائة حجّةٍ وثلاثمائة عمرةٍ . وفي حديث 20 من نفس الباب : إنّ رجلًا سأل أمير المؤمنين عليه السلام كم حجّ آدم من حجّة ؟ فقال له سبعمائة حجّة ماشياً على قدميه . وأيضاً حديث 34 من هذا الباب . وفي حديث 12 من نفس الباب ، عن أبي عبد الله عليه السلام : قال : حجّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عشرين حجّةً . وأيضاً في حديث 33 ، من نفس المصدر ، عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله من بعده عليهما السلام يقولان : حجّ رسول الله صلّى الله عليه وآله عشرين حجّة مستترة . [ 1 ] سورة البقرة ، من الآية 196 . [ 2 ] وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 19 ، كتاب الحج ، أبواب وجوبه وشرائطه ، الباب 3 ، حديث 2 .